![]() |
2007-09-08 10:04:38 | |
قراءات في لغز الاختراق الجوي الإسرائيلي ... بقلم : اياد الجعفري |
||
|
بات لغزاً حقيقياً، بكل ما تعنيه الكلمة، ذاك الذي حدث ليل الأربعاء وفجر الخميس الفائت، فمطالعة محدودة لتحليلات وتعليقات المراقبين، تؤكد أن لا التوقيت ولا طبيعة العملية الإسرائيلية ولا ردود الفعل، سواء الإسرائيلية أو السورية، تتيح إمكانية تكوين صورة واضحة لأبعاد الحدث. فمن حيث التوقيت، تأتي العملية الإسرائيلية بعد أيام فقط من إعلان إسرائيلي رسمي ومباشر مفاده أن إسرائيل غير راغبة في الدخول بمواجهة مع السوريين، قرأه المراقبون حينها على أنه جهد إسرائيلي عالي المستوى يستهدف ضبط التوتر مع سوريا وخفض حدته. لذلك كانت العملية الإسرائيلية مثار دهشة الكثير من المراقبين من حيث التوقيت، لكن دهشة المراقبين لم تتوقف عند توقيت العملية بل تجاوزته إلى طبيعة العملية ذاتها.
الإعلام الإسرائيلي تحدث عن طلعات استطلاعية لسلاح الجو الإسرائيلي فوق الأراضي السورية، والسؤال، إن كانت تلك الطلعات ذات هدف استطلاعي، فما هو مبرر الأوزان الثقيلة من الذخائر التي اضطرت الطائرات الإسرائيلية إلى التخلص منها لزيادة سرعتها أثناء فرارها من مضادات الطيران السورية، أي إن كانت الرحلة استطلاعية، لماذا حملت الطائرات الإسرائيلية تلك الأوزان الثقيلة من الذخائر، ذلك أنه من المعروف أن الطائرات التي تنطلق في رحلات استطلاعية عادة لا تحمّل بذخائر ثقيلة، كي تحافظ على سرعة كبيرة، ولأنها لا تنوي استخدام تلك الذخائر أصلاً.
محللون استشفوا غاية استقصائية من الطلعة الجوية الإسرائيلية، فإسرائيل تريد اختبار "جهوزية" الدفاعات الجوية السورية والتطورات التي طرأت عليها، في ظل ما يشاع في وسائل الإعلام المختلفة عن حركة سورية مكثّفة لتطوير قدراتها العسكرية بالتعاون مع إيران وروسيا. لكن معلقين إسرائيليين تساءلوا: هل تبرر هذه الغاية المخاطرة بإشعال حرب مباشرة مع سوريا، وخاصة أن الأخيرة في حال استنفار وترقب لأي خطوة عسكرية إسرائيلية ضدها؟، وهل تبرر هذه الغاية المخاطرة بحياة الطيارين الإسرائيليين في حال كانت دمشق تملك الدفاعات الجوية القادرة على إسقاطهم؟
فريق آخر من المحللين قرأ العملية الإسرائيلية بأنها ذات غايات تدريبية استعداداً لحرب معدّة، وانقسم هذا الفريق بين من يقول بأن الحرب تستهدف سوريا، وأن تل أبيب تريد التدرب واختبار إمكانيتها على اختراق الأجواء السورية وضرب وتدمير الدفاعات الجوية السورية، وبين من يقول بأن إسرائيل تريد اختبار مسار جوي يتيح لها ضرب إيران دون الاضطرار إلى اختراق أجواء دول صديقة أو محايدة كالأردن أو السعودية أو تركياأو تريكا، كي لا يسيء ذلك إلى العلاقات مع هذه الدول، لذلك قررت إسرائيل اختبار مسار جوي يعبر الأجواء السورية ومن ثم العراقية (كردستان العراق) لاستهداف إيران، وهو ما يفسر اتجاه الطيران الإسرائيلي نحو المثلث الحدودي بين سوريا والعراق وتركيا، حسب تلك القراءة. وفي هذا السياق تساءل معلقون إسرائيليون: ما فائدة اختبار الدفاعات الجوية السورية في أقصى شمال شرق سوريا، في حين ترابط معظم الإمكانات العسكرية السورية على الحدود مع الجولان؟
تثير وجهات النظر الأخيرة قراءة ثالثة، هل كانت تل أبيب تختبر مساراً جوياً تعتقد أنه غير متوقع من جانب السوريين، إما لضرب إيران، أو لضرب البنية العسكرية السورية من الظهر، أو من حيث لا يتوقع السوريون؟
المحللون لم يبدوا دهشتهم فيما يخص التوقيت وطبيعة العملية فقط، بل طالت دهشتهم رد الفعل الإسرائيلي، ذلك أن هذه المرة هي من المرات القليلة التي تسود فيها البلبلة والتكتم الجانب الإسرائيلي، واختلف المفسرون في تفسير ذلك، بعضهم قرأه على أنه مسعى إسرائيلي لترك السوريين في حيرة من أمرهم بغية إثارة فزعهم، بينما قرأ آخرون رد الفعل الإسرائيلي على أنه مسعى للسيطرة على الأمور وضبط التوتر مع دمشق ومنعه من الانفجار باتجاه حرب شاملة، وبالتالي التقليل من خسائر عملية فاشلة، ذلك أن هرب الطيران الإسرائيلي بعد إلقاءه لذخائره في مواجهة مضادات الطيران السورية يعني أن العملية الإسرائيلية سواء كانت ذات غايات استطلاعية أو كانت ذات غايات تدريبية، قد أخفقت في تحقيق أهدافها، بينما رأى فريق ثالث أن غاية العملية الإسرائيلية، وهي اختبار "جهوزية" الدفاعات الجوية السورية، قد تحققت، وأن تل أبيب لا تريد أكثر من ذلك، لذا آثرت الصمت بغية تهدئة الطرف السوري ومنحه لذة الشعور بالنصر لأنه نجح في ملاحقة الطيران الإسرائيلي وطرده.
لكن الحقيقة أن اللغز لا يتوقف على الفعل الإسرائيلي من حيث التوقيت والأهداف وردود الفعل، ذلك أن رد الفعل السوري كان مثيراً هو للآخر للكثير من القراءات المتناقضة، وهو ما يتضح في تساؤل ساد الكثير من التعليقات في الصحافة العبرية ذاتها: لماذا انفردت دمشق بالإعلان عن حدث حاولت إسرائيل التكتم عليه، رغم أن ذلك الحدث يمثّل انتهاكاً للسيادة السورية؟
محللون رأوا في رد الفعل السوري دليلاً على أن "جهوزية" الدفاعات الجوية السورية قد فاجأت الإسرائيليين، لذا أرادت دمشق الإعلان عن الحدث وإحراج الحكومة الإسرائيلية أمام الرأي العام في بلدها. فريق ثانٍ اعتقد أن السوريين أعلنوا عن الحدث تمهيداً للرد عليه، على عكس التجارب السابقة في السنوات الأخيرة. فريق ثالث قرأ انفراد السوريين بالإعلان عن الحدث على أنه رسالة تحذير جدية ومباشرة إلى تل أبيب، بأن دمشق ضبطت نفسها للمرة الأخيرة، وأن استفزازاً إسرائيلياً عسكرياً آخر لن يمر بسلام.
أمام ما سبق يبقى هذا التطور لغزاً تختلف في تفسيره الآراء، سواء من الجانب السوري، أو من الجانب الإسرائيلي، لكن في المقابل يبدو واضحاً للعيان أن ردود فعل الخصمين تؤشر إلى جاهزية سوريّة للحرب، ورغبة إسرائيلية في تطويق التوتر، على الأقل في المدى القريب.
قسم الدراسات - سيريانيوز |
||
| copy rights © syria-news 2010 | ||