رغم كل
المتغيرات المتسارعة التي باتت تلقي بظلالها على حياة السوريين بفعل التطورات
الهائلة التي أحدثتها ثورة الاتصالات، وأثر ذلك على جميع مناحي الحياة الاجتماعية
والثقافية، فإن لشهر رمضان "حصانته" الخاصة في وجه تلك التقلبات،
وخاصة في الريف حيث لازالت طقوس
وعادات الآباء والأجداد تحافظ على إيقاعها وبعضا من رمزيتها المستمدة أصلا من
المعاني والغايات التي أرادها الإسلام من شهر الصوم. ففي القرى السورية مازال هناك
ما يجعل لكل تفاصيل هذا الشهر الفضيل معنى خاصا، فقبل قدوم رمضان بقليل تبدو كل
الأشياء كما لو أنها تنتظر بشوق هذا الفرض الإسلامي، الإنسان والمئذنة و الأشجار
والسهول..نعم ثمة تماه بينها جميعا وبين الله..
لم يتغير أي شيء من عادات رمضان
عندنا ، ما زالت كما هي منذ أم كنت صغيرا .هكذا بدأ الشيخ الشاب" فادي" إمام أحد
الجوامع في قرية واقعة شمال سوريا.و أضاف موضحا :" عندما كنت صغيرا أذكر تماما
رمضان المبارك، كيف كان أفراد أسرتي يجتمعون على الإفطار و هم سكوت ينتظرون
صوت "الطوب" ( المدفع) ، بينما أنا و أخي الأصغر مني كنا قبل هذا الموعد بأكثر من
نصف ساعة نضع السلم الخشبي كي نتمكن من الصعود إلى سطح المنزل حتى يتثنى لنا أن نرى
ضوء المئذنة الوحيدة العالية في القرية حين يضيء، و كنا نعلم أن بعد ذلك سيرفع
الآذان، و في تلك اللحظات أذكر أننا نصيح بصوت عال ، لجميع أفراد الأسرة أن يبدؤوا
الإفطار، و بعد صوتنا كان المدفع يدوي ، في ذلك الحين و ريثما ننزل من على السطح
يكون الجميع قد بدأ بالطعام ، و نطلب منهم أن يفسحوا لنا المجال للجلوس على المائدة
، و رغم انزعاجنا، كون بقية أفراد العائلة قد بدؤوا الإفطار قبلنا، كنا نكرر الأمر
و نصعد مجددا الى السطح لنرى ضوء المئذنة . نعم هذا الكلام منذ عشرين عاما ، لكنه
يتكرر مع أبني و أراه يصعد إلى السطح ليخبرنا بموعد الآذان".
و يرى " سامر عبود " و هو من
القرية ذاتها، أن رمضان لم يتغير كثيرا و ما زال محافظا على حميميته . و يضيف قائلا
:" نعم من المعروف قبل هذا الشهر يكون هناك خلافات بين الناس و أحيانا تشتد إلى
عداوات تكاد لا تنتهي حتى بين الأقرباء، و لكن في رمضان يحاول الناس نسيان مشاكلهم
و يميلون إلى حلها بقولهم (الدنيا رمضان يا جماعة) ، من هذا الأمر نشعر أن القرية
أصبحت أسرة واحدة حيث يشعر الناس ببعضهم بعضا، فالغني يساعد الفقير و أحيانا أرى
الفقير ذاته يساعد الأفقر منه ، و كل ذلك أذكره و أنا صغير حيث يتكرر الآن ، و على
سبيل المثال " السكبة" عادة ما زالت موجودة حيث نرى على الإفطار أكثر من عشرة
أنوع من الطعام كونه كل بيت يرسل صحنا من الطعام لبيت آخر و كأن هذا الفعل نوع من
الإفصاح بأن الجميع يأكلون مما رزقهم الله" .
أما "أبو عبدو شقير" الذي يملك
متجرا لبيع الحبوب في شارع الثورة بمنطقة المرجة بدمشق فقد اخبرنا أنه في هذا الشهر
المبارك يترك عمله ويكلف أحدهم به ليذهب إلى قريته ليبقى هناك طوال الشهر :"هناك في
الضيعة رمضان مختلف، اشعر أن الجميع يعيش شهر الصوم، هناك هدوء وطيبة نفس واهتمام
بالصلاة وأداء الواجبات والفروض، أنا لا أقول أن الناس في دمشق اقل إيمانا لا سمح
الله..إنما مشاغل الناس كثيرة، رمضان يأتي ويذهب ولا تشعر به هنا، وللحق كثيرا ما
أرى شبابا من الجيل الجديد يدخنون في الشارع أو يشربون العصير ويأكلون الصندويش دون
حياء ودون مراعاة لمشاعر الناس الصائمين، القصة عندنا في الضيعة مختلفة، هناك
الجميع يعرف بعضه والكل يحترم الصائم، هنا الطاسة ضائعة مثلما ما يقول المثل.."
لكن أبو شاهر الذي يبيع "الفول
والحمّص والفلافل " في حي القنوات لم يقبل ولم يعترف أن شهر رمضان في الريف يختلف
عن المدينة، "أنا افتح المحل قبل موعد الإفطار بحوالي الثلاث ساعات، وقبل موعد
الإفطار بقليل وعندما يأتيني الزبائن من كل مكان منهم اعرفه ومنهم لا أعرفه، أشعر
أن الدنيا ما زالت بألف خير، يوجد احترام للصيام ولرمضان في المدينة، أما بعض
الشباب الذين لا يحترمون عادات هذا الشهر فهم قلة ولا يشكلوا شيئا، وفي حارتنا ما
زالت هي العادات نفسها مستمرة منذ كنت في السابعة من عمري أي منذ خمسين سنة، الشيء
الجديد هو التلفزيون حيث استغرب أن كل أفراد أسرتي يلتمون حوله وينسون صلاة
التراويح بحجة متابعة المسلسل والبرامج.."
لكن عامر جليل له رأيا مختلفا،
" أنا عشت في الريف والمدينة، أنا قدمت في العشرين من عمري لدمشق من قرية في
القلمون، فهناك رمضان مختلف تماما، هناك قبل الإفطار كان جميع جيراننا يطرقون علينا
الباب من أجل تقديم ما قد أعدوه على مائدة إفطارهم ،كنا نعرف كل بيت ماذا أفطر، و
بدورها أمي الله يرحمها كانت ترسلنا أنا وأخوتي من اجل إيصال ما طبخناه إلى
الجيران، واذكر مرة أنها أرسلتني لبيت "أم سعدون" الواقع في أقصى القرية و قد حاولت
التهرب من ذلك خوفا من أن أتأخر عن طعام الإفطار لأني كنت جائعا جدا، سمع أبي رفضي،
فأخبرني منزعجا بأن كل أجري وثوابي سوف يذهب سدى إذا لم أوصل الطعام لتلك المرأة
الفقيرة الأرملة، ذهبت وتأخرت وعندما عدت كانت الأسرة قد فرغت من الإفطار، و أذكر
أن أبي كافأني يومها، وشعرت بأني قمت بعمل عظيم..اليوم في دمشق لا يوجد مثل
هذه العادات..جيراننا في البناية التي اقطنها لا يسلمون علينا أحيانا..لك أن
تتخيل.."
وترى الحاجة "أم وسيم
الصادق" وهي من حي الشاغور البراني أن رمضان ما زال محتفظا ببعض عاداته في الحي
وبقية الأحياء الشعبية في دمشق، "فما زالت عادة السكبة قائمة، وصلاة
التراويح..والزيارات..ربما في بعض الأحياء الراقية والمتطورة لا يقومون بمثل ذلك،
يمكن أن يكونوا غرباء ولا يعرفون بعضهم البعض. العلم عند الله..".
سيريا نيوز