في
العام 1947 انتخب المهندس "مجد الدين الجابري" رئيساً لبلدية حلب ، و ما تزال
المدينة تذكر هذا الاسم بكثير من الاحترام والتبجيل ،
ويحن كثيرون في حلب إلى ذلك الزمن القديم، حين كانت تنتخب فيه البلديات بكل حرية،
ويشغل مناصبها موظفون " نظيفون " ، مجد الدين الجابري استهل
عهده في البلدية بقرار شجاع ونبيل، فقد استملك ورفاقه " النظيفين " في البلدية، ما
يعرف بالنافعية في منطقة باب الفرج قلب المدينة ، ،والمملوكة لآل الجابري بسعر 10
قروش للمتر الواحد،وحين اعترض عليه أقاربه المصدومين قال لهم :
هذه ملك حلب، أخذها جدي نافع باشا هدية من السلطان العثماني،
وأنا أعيدها لسكان حلب.
وقد ارتبط اسمه في حلب بمشاريع حيوية
مهمة كالصرف الصحي ، وببناء
الحديقة العامة التي ينسب البعض جهلاً بناءها للاستعمار الفرنسي ، وإلى جانب
الجابري قيض لحلب معه اثنان من " أنظف " موظفي البلدية هما
بهجت المدرس /
مهندس / و
سامي الكيالي مفتشها العام ، تم استملاك أرض الحديقة
ببدل استملاك عادل على أقساط وبعد سنتين كانت الحديقة العامة قد افتتحت للمواطنين .
ورود تقطف و أوساخ تنبت مكانها
وطوال
عقود كانت الحديقة قبلة سكان حلب، وحافظت لعشرات السنين على رونقها ، واعتبرت من
معالم مدينة حلب، ولا بد لزائر المدينة من التجول فيها والتقاط الصور التذكارية ،
وهي شبيهة بإحدى حدائق قصر فرساي بباريس ، تبلغ مساحتها 13 هكتار ،
و هي على شكل مسدس غير منتظم،
مسورة بسياج
حجري .
مدخلها الرئيس
ذو درج حجري عرضه 20 مترا ،
حيث أنشأت شلالات مياه كبيرة على جانبيه
، و يقسم الحديقة طريقان رئيسيان إلى
أربع مناطق أساسية، و يتفرع
عنها طرق ثانوية تحدد أماكن الأشجار،
و المسطحات الخضراء، و أحواض
الزهور، و في الوسط حوض ماء
كبير, و تتميز الحديقة
بوجود الأشجار الراتنجية بكثرة
بالإضافة إلى الأشجار التزينية مثل روبينيا و الطرفة و نخيل الزينة والفلفل المالطي
و الميس و الكيلوستروم و أنواع كثيرة من
الورود و المرجان الذي يحدد كثيرا من الممرات فيها .
واليوم، وبعد أكثر من نصف قرن على إنشائها، فقد تراجعت الحديقة العامة في كل شيء
عدا الأشجار ، فأرصفتها مكسرة ، ومسطحاتها الخضراء تحولت إلى ملاعب كرة قدم أمام
أنظار إدارتها ، فيما تكاد تنعدم فيها النظافة، كما و استقطبت شرائح وضيعة أخلاقياً
جعلت من الحديقة بؤرة لمثيري المشاكل و الزعران ، كما أصبح فيها ركن للمثليين ، و
قد تم اقتطاع جزء منها أمام مؤسسة الكهرباء ، وتسليمه إلى متعهد حيث أقام مطعماً و
كافتيريا .

مدير الحدائق "إبراهيم الشهابي" يعترف بمستوى النظافة المريع في
الحديقة لكنه يحمل المواطنين مسوؤلية ذلك " لقد زدنا عدد مستوعبات القمامة بشكل
كبير، ومع ذلك يقوم المواطنون برمي نفاياتهم على مقربة منها ، وفي كل مكان، وليس
بداخلها ، ولذلك طلبنا منحنا صلاحية الضابطة، لكي نقوم بمخالفة من لا يتقيد بنظافة
الحديقة، وقد وضعنا لافتات تنبه المواطنين إلى ذلك، وسيتم تطبيق ذلك قريباً "
استهتار الكثير من الزوار لا يتعلق بالنظافة فحسب، لكن يبدو أن
هنالك عداءً ما، بينهم وبين الورود المتفتحة كبيرة الحجم ، وبالأخص الورد الجوري
والقرنفل ، وهذا ما يدفع إدارة الحديقة للتركيز على أنواع أخرى من الزهور غير ممكن
قطفها أو هو غير مستحب .
قف : ممنوع دخول الرجال وخرطوم الحارس
لملاعبة الأطفال !
أمام
حديقة الألعاب ، علقت لوحة : يسمح بدخول الأطفال والنساء فقط ، اشتراط غريب يحمل
تمييزاً تجاه الرجال ،" رامي طرابيشي" وزوجته وطفلتيه خالفوا "دستور " الحديقة إذ
دخلوا ولم ينتبهوا إلى اللوحة ، وبعد دقائق هرع إليهم أحد الحراس لطرد الزوج ، حصلت
مشادة كلامية انصاع على إثرها الرجل، وخرج من " حمام النساء "
" هذا اشتراط غير مقبول ، نحن نتبرم من تخصيص أماكن للعائلات،
ونتمنى أن تزول كلمة " مخصص للعائلات " من الأماكن العامة ، لكن صمتنا عن هكذا أمور
يشجع على سياسة فصل النساء والرجال عن بعضهما البعض ، الحديقة العامة ملك لكل
المواطنين ولا يجوز التمييز بين رجل و امرأة ، لايمكنني ان أصطحب اطفالي إلى
الحديقة ، هذا منطق غريب ، إذا كانت حجتهم حماية النساء ، فهنالك سلطة تحاسب من
يسيء "

أدرك رامي أن ليس بإمكانه كرجل اصطحاب طفلتيه إلى الحديقة، وهو
ممتعض جداً في حين كان "أبو محمد" يقف على الرصيف خارج الحديقة ويتحدث مع ابنته
وزوجته خلف قضبان السور ، وهو مسرور جداً لهذا الفصل الذي يمنع إمكانية مضايقة
الزعران للنساء ، سوى أنه كرجل أمكن له أن يقف على السور
ويرى كل شيء ، بما في ذلك النسوة اللواتي ركبن في الأراجيح !
على باب الحديقة يقف حارس حاملاً خرطوماً بلاستيكياً يستخدمه في
ملاعبة الأطفال الذين يحضرون للعب دون أن يكونوا مع أمهاتهم ، نحاول تصويره فيركض
إلى غرفته لإخفائه .
بعد ربع قرن في الحديقة المصور " ديكو "
أفلس ...
التقاط
الصور النتذكارية كان طقساً مرتبطاً بالحديقة ، حيث يسارع عدد من المصورين
الفوتوغرافيين إلى الزوار عارضين عليهم التقاط صورة ، هذه المهنة تراجعت مع شيوع
أجهزة الخلوي الحديثة وكاميرات الديجيتل ، المصور " ديكو" يشعر بأنه سيتركها قريباً
" كنا نلتقط الصور لأناس غرباء عن حلب ونحتفظ بها حتى عودتهم ، أو نرسلها لهم
بالبريد،اليوم نصور عدة أشخاص فقط ، أصبحت حالتنا كحالة مصوري الأبيض والأسود، و
كاميراتهم الخشبية القديمة "
المصورون وماسحو الأحذية هم أول من يستقبلك بعد الدرج الحجري،
وليس تمثال "أبي فراس الحمداني" فحسب ، تتوزع في الحديقة عشرات التماثيل و
المنحوتات الحجرية ، التي أنجزها فنانون حلبيون في الحديقة ، وقد امتدت إليها يد
العبث ، بالكتابة والتشويه.
العشاق هدف سهل للابتزاز

وفي الحديقة يمكن الاهتداء ببعض البحث والتحري إلى عدد من
الشرائح التي يدل عليها سلوكها أحياناً ، هنالك متعاطين، ومثليين، و قوادين أيضاً ،
فلا تستغرب إن اقترب رجل منك، وعرض عليك بعض الخدمات الطبيعية وغير الطبيعية !
رجال الأمن لا يغيبون عن الحديقة فهي مجال خصب لعملهم بكلا
المعنيين الإيجابي والسلبي ، فمتابعة ما يجري في حديقة يؤمها الآلاف يومياً مهمة
ليست باليسيرة ، وبنفس الوقت فإن شيئاً من الابتزاز يعمل به بحق بعض الشبان
والشابات ، فهم يتميزون بفراسة عالية تمكنهم من الوصول إلى مبتغاهم بسهولة ، وقد
يكون الضحايا من العشاق الأبرياء الذين يختلسون بضع ساعات للتلاقي في مكان عام أكثر
مما هم من المشبوهين .
جنينة الحيوانات ... قرود وطواويس وبضع
دجاجات !!
وفي
الحديقة عدة أقفاص حديدة للحيوانات، وقف فتى أمام إحداها بدأ بالصراخ لأبي عبدو ..
أبو عبدو أبو عبدو ... خلنا أن المنادى هو أحد حراس الحديقة، وقد دخل لإطعام
الحيوانات، وعلينا سؤاله عنها ، لكن الحقيقة أن الفتى كان ينادي أحد القرود المكنى
" أبو عبدو " .
في الحديقة عدد من القرود، والطواويس منتوفة الريش، وشديدة
الاتساخ ، ودجاج أيضاً ، موضوعين في أقفاص مزنرة بشبك حديدي ناعم ، ومع ذلك فهي
شديدة الاتساخ، و قد اعتقدنا أنها مستودع للنفايات البلاستيكية، فعبوات المياه
الغازية البلاستيكية وأكياس النايلون تملؤها ، ولكن كيف دخلت هذه النفايات إلى
الأقفاص فهذا ما لا يمكن معرفته دون سؤال القائمين على تقديم الطعام، والماء إليها
، و يمكن لأي زائر إلى الحديقة أن يرمي إليها بما يريد من طعام، من خلال الثقوب
الصغيرة، وسط غياب لأي حراسة ومتابعة.
وعلى مقربة من غرفة الإدارة جلس زوجان في الأربعين من عمرهما
لفصفصة " بذر " ميال الشمس ، وقد غطت القشور زفت الشارع تحتهما !!
إن منح موظفي الحديقة سلطات الضابطة لمخالفة المسيئين إلى نظافة
الحديقة قد يحد من هذا الاستهتار بالنظافة العامة ، و يضع إدارة الحديقة أمام
مسوؤلياتها الأخرى، فالأشغال في الحديقة تتم ببطء وتكاد لا تنتهي .
باسل ديوب - حلب - سيريانيوز