هل من الأفضل لسوريا أن يتم
تغيير النظام الآن أم بعد خمس سنوات؟ طرحت هذا السؤال في نقاش مع صديق سوري يعمل
صحفياً، وكان رأيي أن تغيير النظام الآن سيكون غلطة فادحة تجر من الأخطار ما لا
يمكن توقعه أو التنبؤ به، لكن صديقي رأى العكس. قال أنه كلما حصل التغيير أبكر كلما
كان أفضل،
وأوضح: "إنك لا تعرف
سوريا الحقيقية. ما الذي تراه؟ فقط الأغنياء والميسورين. لكن انظر إلى الأعداد
المتنامية من الفقراء في ضواحي دمشق. انظر إلى مدى البؤس في الريف، والعدد المتزايد
من العاطلين عن العمل".
قلت أن سوريا لا تملك معارضة
منظمة ذات خبرة، والانقسامات الطائفية والعرقية بين صفوف الشعب السوري حقيقية
وعميقة، وفي الواقع ليس هناك وعي ليبرالي في أوساط الجماهير وبالتالي فإنه إذا حصلت
ثورة الآن أو تغيير في النظام فإن هناك احتمالاً كبيراً أن تقع سوريا في قبضة
الاضطراب وربما الحرب الأهلية.
عدت إلى منزلي وبدأت البحث في
الأرقام:
في سوريا هناك حقيقة عدد كبير
من الفقراء، لكن نسبة الفقراء إلى إجمالي تعداد السكان تتناقص، وبالتالي فإن
المشكلة لا تزداد سوءاً كما يقول صديقي، بل إن الأوضاع تتحسن وإن كان هذا ببطء
شديد. وعلى أية حال فإن النخب أهم من الفقراء في حكم البلاد، وعليهم أن يستعدوا
لاستلام السلطة.
فيما يتعلق بمعدل النمو
الاقتصادي فإن سوريا كانت تقع في مركز متوسط بالنسبة لدول الشرق الأوسط وشمال
أفريقيا منذ ثورة البعث 1963، لكن معدل النمو تقزم أمام الزيادة السكانية المرتفعة.
في تقرير لمنظمة الفاو نقرأ ما
يلي: "خلال العقود الأربعة الماضية كان معدل النمو الاقتصادي في سوريا حوالي 4.6 %
وسطياً (في الفترة بين 1963-1999) وهذا يعتبر معدلاً جيداً، لكن مع الأسف فإن معدل
الزيادة السكانية أيضاً مرتفع (3.3% للفترة نفسها). تمكن معدل النمو الاقتصادي من
مواكبة النمو السكاني، وهذا إنجاز جيد، ولكن معدل الدخل الفردي بقي ثابتاً على
المدى البعيد. كان الاقتصاد يتطور بصورة دورية، حيث كان يشهد فترات من النمو السريع
تتبعها فترات من الترنح والتراجع. شهدت التسعينات فترة نمو لكن بمعدلات متناقصة.
بالنسبة للفترة ما بين
1990-2001 يشير تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن معدل نمو الناتج
المحلي الإجمالي للفرد كان بحدود 1.9%.
يجدر التنويه أن معدل النمو
السكاني في سوريا شهد تراجعاً حاداً في العقد الماضي حيث أصبح اليوم 2.7%. لكن
النمو أيضاً تراجع في السنوات الأخيرة. في العام 2002 كان حوالي 4%، ثم تراجع بشكل
حاد إلى 2.5% عام 2003 بسبب الغزو الأمريكي للعراق، ثم عاد إلى التحسن عام 2004
ليصل إلى 3.9%، ومن المتوقع أن ينمو بسرعة أكبر خلال العام الحالي (المعدل المخطط
له هو 4.3).
الوضع بشكل عام في سوريا يتحسن
لأن معدل النمو السكاني أصبح تحت السيطرة، ومن المتوقع أن يشهد القطاع غير النفطي
نمواً بسبب الإصلاحات التي قدمها الرئيس الأسد. كما أن الانسحاب من لبنان قد يكون
له تأثير إيجابي على الاقتصاد السوري على المدى البعيد. صحيح أن التحويلات من
الخارج قد انخفضت بعد عودة العمال السوريين، إلا أن حجم الاستثمارات الأجنبية
يتحسن.
من المؤكد أن إنتاج النفط
السوري سوف يتراجع خلال العقد القادم، وهذه أخبار سيئة لكن ليست مرعبة كما يصورها
البعض.
ومع ذلك فإن الدخل الفردي في
سوريا ليس جيداً، والبلد تعتبر فقيرة مقارنة بغيرها من دول الشرق الأوسط وشمال
أفريقيا، ويعود هذا بشكل رئيسي إلى سوء الإدارة. حسب أرقام الأمم المتحدة لا يوجد
دولة عربية أفقر من سوريا ما عدا اليمن والسودان.
لهذا السبب قال توم لانتوس عضو
الكونغرس الأمريكي أن سوريا بحاجة ماسة إلى الاستثمارات الأجنبية، لكن ما تفعله
الآن هو طرد الاستثمارات بدلاً من جلبها. فأي سوري يملك نقوداً يخرجها خارج
البلاد".
ما أريد قوله هو أن حالة
الاقتصاد السوري ليست سبباً يدعونا إلى تمني تغيير فوري في النظام، فالاقتصاد ينمو
على العكس من اعتقاد الكثيرين. السبب الذي يدعونا للتمسك ببشار الأسد هو أن سوريا
في حالة ضعف أيديولوجي ومؤسساتي شديد. و في حال حصل التغيير قبل أن يكون لدى سوريا
مؤسسات حقيقية قادرة على إدارة البلاد فإن الحكومة ستنهار كما حصل في العراق وسيعقب
ذلك فوضى وربما حرب أهلية كالتي شهدها لبنان.
المثال المعاكس هو مصر التي
تنمو فيها المؤسسات وتتمتع بالمزيد من القوة والاستقلالية مستغلة الانفتاح الذي
يقدمه لها الرئيس مبارك. تعتبر سوريا متأخرة عن مصر بخمس وربما عشر سنوات من حيث
تطوير المؤسسات المستقلة. يقول البعض أنه طالما بقي حزب البعث في السلطة فإن البلاد
لن تتمكن أبداً من تطوير مؤسسات مستقلة للمفكرين الأحرار.
أنا أختلف مع هذا الرأي. ففي
الشهر الماضي شهدنا ثورات صغيرة في صفوف حزب البعث نفسه حول المخالفات التي ترتكب
في انتخابات الحزب. وهناك عريضة تناقلها ووقع عليها أعضاء كبار في الحزب أمثال أيمن
عبد النور تشكو من الفساد في الانتخابات.
يعتقد البعض، وهو اعتقاد مقنع
بنظري، أن الأسد يسعى إلى بناء وزارات أكثر كفاءة، وبالتالي فإنه عملياً باني
مؤسسات يحاول أن يلغي شبكات التحزبات والعلاقات الشخصية ليحل محلها شخصيات أكثر
كفاءة ضمن مؤسسات شرعية.
إن عدم محبة بشار للمؤسسات
الأمنية وامتناعة عن الاعتماد على الجيش أمر واضح. وسأذكر قصة واحدة تؤكد ابتعاده
عن الجيش والأعمدة التقليدية للسلطة.
صديق لي كان قد أمضى تسع سنوات
في الخارج وكان يعمل في الهندسة لدى شركة متعددة الجنسيات، وقد عاد مؤخراً إلى
سوريا لمدة ثلاثة أسابيع لكي يدرس ما إذا كان باستطاعته العودة مع عائلته وإنشاء
عمل خاص به. وهو بالمناسبة من الطائفة العلوية، وأبوه وزير متقاعد.
قال لي أنه زار أصدقاء الدراسة
في طرطوس وبانياس وأضاف:
أنت تعلم كيف أن الجميع في
الساحل يعتمدون على الجيش إما بشكل مباشر أو غير مباشر، لكنهم جميعاً قالوا أن
النظام الحالي لا يولي اهتماما كبيرا بالجيش بعد الآن، وقد حذا الناس حذوهم. في
الماضي كان الناس يعرفون أن حافظ يهتم بطائفته، وكانوا يدعمونه لأنه كان يؤيدهم
ويدعمهم، لكنهم لم يعودوا يشعرون بنفس الشعور. الروح المعنوية في الجيش تراجعت،
ويقولون أن الرئيس الحالي لا يميز بين كردي أو سني، لا فرق، لأنه لم يعد ذاك
الاهتمام للجيش ولم يمد يده إلى جماعته.
ويتابع الصديق لقد سمعت قصصاً
مشابهة من أناس آخرين. عندما سألت حماتي وهي زوجة ضابط متقاعد ما إذا كان هذا
صحيحاً أكدت أنه صحيح. وقالت "لقد كانوا يقدرون الجيش لكن الناس الآن ينظرون إلينا
نظرة استهجان وكأننا حرامية".
ينتهي كلام الصديق والفكرة من
هذه القصة هي أن بشار الاسد لم يعد يعتمد على الجيش. صديقي وحماته يعتقدان أن هذا
خطير، وقد يكون كذلك، لكن لا أعتقد أن الجيش المحبط سيسبب أي مشاكل حقيقية لبشار.
أعتقد أن هذا يعني أن بشار لا يمارس عمله بطريقة تقليدية، فهو لم يتربى في الجيش
مثل والده وأخيه باسل، وإنما يتابع عمل وزرائه الإصلاحيين بدلاً من متابعة الأجهزة
الأمنية وهدفه هو بناء سوريا جديدة وحشد الدعم لنفسه وللنظام.
الكثيرون يعتقدون أن استراتيجية
بشار غير حكيمة وسوف تنهار في النهاية، أما أنا فأعتقد أنها تستحق الدعم. فطالما
أنه يعطي الإصلاحيين فرصة ويبقي المناخ الفكري مفتوحاً أمام الناس لممارسة النقد
والمساءلة والنقاش فإن سوريا ستصبح أحسن حالاً.
لو أن الغرب ضغط على سوريا
بصورة أشد وأسرع فإنه سيتسبب في انهيار النظام قبل أوانه وسيقود سوريا إلى فوضى.
المؤسسات الجديدة ليست بعد قادرة على تولي المسؤوليات وإدارة البلاد أو إرشادها في
حالة حصول اضطرابات، فهي ليست بمستوى نضج المؤسسات المصرية وهي ليست حتى تسير في
هذا الاتجاه. لم يعد هناك سوى قلة في الحكومة تؤمن بالبعث، ومع الوقت فإنهم
سيختارون الاستقلال والكرامة بدلاً من الفساد والعبودية للنظام. هناك الكثير من
الشخصيات الجيدة في الحكومة وسوريا بحاجة إليهم لأن يعملوا في صالحها، وهم سيفعلون
ذلك لو أتيح لهم الوقت.
الأيديولوجية
السبب الثاني الذي يجعل فكرة
تغيير النظام في سوريا اليوم فكرة سيئة هو إفلاس الأيديولوجيات الحالية. سوريا لا
تملك أي وعي وطني أو هوية وطنية واضحة. ووجود شعور وطني متطور وموجه بشكل جيد أمر
ضروري لنجاح الديمقراطية. لا يمكن وضع "قواعد للعبة" أو إنشاء ديمقراطية أو عقد
اجتماعي إذا كان المواطنون أنفسهم غير متفقين على ماهية اللعبة. عليهم أن يعرفوا
حدودهم وأن يتقبلوا مواطنيهم على أساس المساواة. باختصار عليهم أن يرغبوا في أن
يكونوا سوريين.
سوريا حتى الآن كانت ترفض
الاعتراف بحدودها القطرية وتنادي بالقومية والوحدة العربية، وتعتبر نفسها مجرد جزء
في الوطن العربي. لكن مع إفلاس فكرة القومية العربية، لم يعد أمام السوريين سوى
انتماءاتهم العرقية والطائفية باعتبار أن الهوية السورية لم تتبلور بعد. لكن قوة
الانتماءات الطائفية في سوريا هي خطر كامن في حال حصل تغيير مفاجئ في النظام. يجب
على السوريين العمل على صياغة هوية وطنية ضمن حدودهم قبل مواجهة أي اضطراب سياسي.
لقد بدأ السوريون فعلاً بصياغة
هذه الهوية الوطنية، والانسحاب من لبنان أجبرهم على ذلك، وكذلك فعلت حملة بوش ضد
القومية العربية، وحملات الدول العربية وعلى رأسها الأردن التي ترفع شعار "أنا
وبعدي الطوفان".
إذا كان لربيع دمشق الحالي أي
منجزات فهي تغيير الطريقة التي يرى فيها السوريون أنفسهم وعلاقتهم مع الدول العربية
الأخرى وكيفية نظرتهم إلى قدرهم.
المعارضة السورية حتى الآن ما
تزال واقعة في فخ القومية العربية، وإلى الآن ليس هناك معارضة حقيقية وإنما مجرد
كلام وجماعات صغيرة. إنها ليست منظمة بحيث تقود البلاد.
السوريون بحاجة إلى الوقت. وعلى
الغرب أن يضغط عليهم فقط لا أن يحطمهم.
جوشوا لانديز**- سيرياكومنت
ترجمة وعرض ناديا عطار بتصرف
سيريانيوز
* المقال الاصلي بعنوان : هل من
الأفضل لسوريا أن يتم تغيير النظام الآن أم بعد خمس سنوات؟ ، وقد تم عرضه من خلال
موقع سريانيوز حيث تمت مراعاة التصرف بكثير من التعابير المستخدمة في المقال لتعذر
استخدامها كما جاءت في المقال الاصلي ، وتم التركيز على اهمية عرض الفكرة بأمانة ،
نرجو ان نكون قد وفقنا في ذلك.
** جوشوا لانديز : هو بروفيسور
مساعد في جامعة أوكلاهوما الأميركية مقيم في دمشق من خلال بعثة لصالح جامعته ،
تنتهي في شهر كانون الثاني من هذا العام 2005.