تعقد المؤتمرات الدولية والغير الرسمية عن الشرق الأوسط باستمرار، ودائماً هناك
سؤال محرج يطرح ألا وهو: أين السوريون؟ أو لماذا الغياب السوري؟، وهنا أعني
بالمؤتمرات ذات الطابع السياسي الأمني.
هناك أنواع مختلفة من هذه المؤتمرات ويمكن تقسيمها إلى نوعين.
الأول هو المؤتمر العام المفتوح والحضور فيه بدون دعوة مسبقة والنقاش فيه يشمل
قضايا الشرق الأوسط العديدة. في هذا النوع من المؤتمرات تتميز اللقاءات بين الأعضاء
بأنها عرضية وغير مبرمجة مسبقا. وعادة ما تُنشر مجريات المؤتمر في كتاب أو كتيب
إضافة إلى الأبحاث والمقالات.
أما النوع الثاني فهو: مؤتمرات مغلقة والحضور فيها بموجب
الدعوات فقط والأجندة فيها محددة وتركز بشكل عام على مواضيع الصراعات والأمن
والسلام في الشرق الأوسط. وفي هذا النوع من المؤتمرات التي تعرف ب " المسار
الدبلوماسي الثاني Diplomacy Track Two "، فتناقش
مواضيع الأجندة في حوارات ومحاضرات حرة وعامة وعلنية ولكن هناك أيضاً اجتماعات
مغلقة يحضرها الأعضاء المهتمون بالموضوع المعروض للنقاش. وهذا النقاش ليس له أي صفة
رسمية وغير مسجل والهدف منه عرض وجهات نظر كل طرف مشارك في الحوار والتعرف على
وجهات نظر الطرف الآخر وجس نبضه للتعرف على الحد الأقصى من العرض والحد الأدنى من
الطلب. إذاً هذه ليست مفاوضات ولكنها تمرين ذهني " Intellectual Exercise
" يبحث عن نقاط مشتركة لربما تشكل خطوة أو انطلاقة لمفاوضات رسمية مستقبلية. وإن
كان ولا بد من التعايش مع الآخر فمن الأفضل أنسنته" Humanize"
عوضا عن شيطنته " Demonize "، وهذا هو من أحد أهداف هذه
المؤتمرات.
يوجد شعور دولي أو بالأحرى غربي مفاده بأن سوريا دولة منعزلة
وبغض النظر عن صحة هذا الكلام فإن كان هناك عزل غربي لسوريا فهذا لا حول ولا قوة
لنا به. أما العزل الذاتي الذي نفرضه على أنفسنا بعدم حضورنا هذه المؤتمرات فلا
أعلم ما هي أسبابه؟ لربما السبب الأهم في الغياب السوري هو الخوف من إعطاء انطباع
بأن الحضور السوري مع الحضور الإسرائيلي وجها لوجه في هذه المؤتمرات يشكل نوعا من
أنواع التطبيع. لربما كان عامل الخوف من التطبيع سبباً مبرراً قبل مؤتمر مدريد عام
1991 ولكن أعتقد بأن عامل التطبيع زال بعد انعقاد المؤتمر والمفاوضات الثنائية بين
سوريا وإسرائيل التي تلت المؤتمر حيث اجتمع قياديون سوريون وإسرائيليون وجها لوجه
في مفاوضات مباشرة ورسمية ولم تؤد تلك المفاوضات المباشرة والطويلة وجها لوجه إلى
التطبيع مع إسرائيل.
سبب ثان هو ربما كان السوري في المؤتمر يعرض وجهة نظر غير
ملائمة أو لا تتماشى مع الموقف السوري الرسمي مما قد يسبب حرجا لسوريا أو للقيادة.
إن حدث ذلك أفليس هذا من مصلحة القيادة السورية حيث أن مشاركة السوريين في أي
مؤتمر هو برهان على وجود حراك سياسي وهامش من الحرية في سورية مما يسمح لسوريين
يمثلون وجهات نظر مختلفة لحضور المؤتمرات الدولية والتكلم بحرية.
أو ربما كان هناك سبباً ثالثاً لعدم الحضور السوري وهو شعور
القيادة بأنه لا يوجد سوريون ذوو كفاءة من ناحية اللغة والموضوع لعرض وجهة نظر
سورية صحيحة ودقيقة. حينها إذا افترضنا بأنه لا يوجد في بلد مهد الديانات ومسرح
الحضارات أناس عندهم كفاءات لتمثيل بلدهم في الخارج فهنا الطامة الكبرى.
أتمنى أن يحضر السوريون المؤتمرات حيث يتواجد الإسرائيليون بشكل
دائم ومكثف. فنحن أصحاب حق والمطلوب من صاحب الحق أن يظهر على المسرح الدولي أينما
كان ومع أين كان وبشكل خاص في حالة حضور إسرائيليين فيه، فليعرض السوري قضيته
العادلة أمام الجمهور مجابهاً صاحب الباطل عوضاً عن التغيب وإفساح المجال
للإسرائيلي لكي يحتكر المسرح الدولي لصالحه.
فليحضر السوريون هذه المؤتمرات ويعرضوا وجهة النظر السورية التي
لا شك في عدالتها خاصة فيما يتعلق بالعلاقات مع إسرائيل. وإن كان لدى بعض السوريين
تحفظات أو انتقادات للسياسة السورية فهل هناك قيادة وطنية في العالم كاملة ولا
تتعرض للانتقادات؟ أليست مصلحة سوريا في عرض وجهة نظرها في المؤتمرات الدولية أهم
من الخلافات في وجهات النظر؟ وأليس تواجد هؤلاء السوريين في المؤتمرات حتى ولو
اختلفوا مع الموقف الرسمي شيء طبيعي وصحي، مع العلم بأنه ليس هناك أية خلافات في
وجهات النظر في ما يتعلق بموضوع العلاقات السورية – الإسرائيلية والجولان .
إن الفوائد المجناة من الحضور السوري أكثر من أي مضرة ربما
تحدث.
أخيراً إن القيادة السورية تنتظر الآن وضع الجولان على أجندة
مؤتمر أنابوليس الأميركي مع دعوة لحضوره. فلماذا الغياب السوري عن مؤتمرات دولية
حيث الجولان على الأجندة مع دعوة مفتوحة للسوريين للحضور؟
* دكتوراه في العلاقات الدولية من الجامعة الأمريكية في واشنطن
و خبير في العلاقات الدولية والأمريكية.